الجديد

نهاية محمد نجيب l أيامه في فيلا زينب الوكيل

 

نهاية محمد نجيب l أيامه في فيلا زينب الوكيل


نهاية محمد نجيب l أيامه في فيلا زينب الوكيل


لماذا تخلص عبدالناصر من محمد نجيب 

لمتابعة المواضيع اضغط على الروابط التالية 

موضوع : بريطانيا والشريف حسين وابن سعود (من هُنا

موضوع : بني شنقول إقليم سد النهضة الذي اشتراه الخديوي إسماعيل (من هُنا

موضوع : الأحقاف قوم عاد إرم ذات العماد (من هُنا )

مقدمة

كيف انتهى أوّل رئيس لجمهورية مصر العربية ، بعد أن كان اسمه يتصدّر المشهد ويُهتف باسمه في الشوارع ؟ وكيف تحوّل الرجل الذي تصدّر واجهة ثورة 23 يوليو 1952 إلى رقمٍ منسيّ، يُحجَب عن الناس كما تُحجَب الصفحات غير المرغوب فيها من كتاب التاريخ؟ وهل كان ما جرى لمحمد نجيب خلافًا سياسيًا عابرًا، أم تصفيةً هادئة لرجلٍ أراد دولةً دستورية في زمنٍ كان يميل إلى الحكم الفردي؟

 

هذه الأسئلة لا تنبع من الخيال، بل من وقائع عاشها محمد نجيب بنفسه، ودوّنها بمرارة في كتابه الشهير «كنتُ رئيسًا»، الذي يُعَدّ شهادةً شخصية نادرة على كواليس السلطة في أخطر مراحل التاريخ المصري الحديث.

أولًا: محمد نجيب قبل الثورة – الضابط الذي سبق زمنه

 

قبل أن يصبح اسم محمد نجيب مقترنًا بثورة 23 يوليو، كان الرجل قد شقّ طريقًا استثنائيًا داخل المؤسسة العسكرية. وُلد نجيب عام 1901، والتحق بالكلية الحربية في وقتٍ كانت فيه الترقيات تخضع لحساباتٍ طبقية وسياسية معقّدة. وبرغم ذلك، استطاع أن يفرض نفسه بالكفاءة والانضباط، حتى أصبح من القلائل الذين جمعوا بين الخبرة العسكرية والتحصيل العلمي، فحصل على ليسانس الحقوق، وهو أمر نادر بين ضباط جيله.

 

في حرب فلسطين عام 1948، برز اسم محمد نجيب بوصفه أحد أكثر الضباط شجاعةً وتحمّلًا للمسؤولية، إذ أُصيب عدة مرات في المعارك، وذاع صيته داخل الجيش وخارجه. هذه الإصابات لم تكن مجرد وقائع عسكرية، بل تحوّلت إلى رمزٍ لنزاهة ضابطٍ قاتل بصدق في زمنٍ شاع فيه الفساد وسوء الإدارة.

 

أما علاقته بالملك فاروق، فكانت معقّدة وملتبسة. فمن جهة، حظي نجيب باحترام القصر، وتم تعيينه مديرًا لسلاح الحدود، ومنحه الملك رتبة لواء، في وقتٍ كان فيه كثير من الضباط الشباب يشعرون بالتهميش. لكنه، من جهةٍ أخرى، لم يكن رجل القصر، ولم يدخل يومًا في دائرة المنتفعين أو المقرّبين سياسيًا، وهو ما جعله مقبولًا لدى الضباط الساخطين على النظام الملكي.

 

حين بدأ تنظيم الضباط الأحرار في البحث عن شخصيةٍ تتصدّر المشهد، وجدوا في محمد نجيب ضالتهم: ضابطًا كبير السن نسبيًا، رفيع الرتبة، مشهودًا له بالنزاهة، ويحمل رصيدًا شعبيًا داخل الجيش. ويعترف نجيب في «كنتُ رئيسًا» بأنه لم يكن في البداية جزءًا من التنظيم السري، لكنه قَبِل الانضمام حين أدرك حجم السخط داخل القوات المسلحة، وأمله في إصلاحٍ دستوري لا انقلابٍ دائم.

 

وهكذا، لم يكن اختيار محمد نجيب واجهةً للثورة محض صدفة، بل كان قرارًا محسوبًا بدقة، هدفه إضفاء الشرعية والطمأنينة على حركةٍ عسكرية كانت تدرك أنها في حاجةٍ إلى رمزٍ أكبر من أسمائها الشابة.

 

محمد نجيب: من واجهة الثورة إلى عبءٍ سياسي

 

لم يكن محمد نجيب مجرد ضابطٍ شارك في حركة الضباط الأحرار، بل كان أكبرهم سنًّا وأرفعهم رتبة، وصاحب شعبيةٍ واسعة داخل الجيش وخارجه، خاصةً بعد إصاباته في حرب فلسطين 1948. هذه المكانة جعلت منه الواجهة المثالية للثورة الوليدة، ورمزًا يطمئن الداخل والخارج معًا.

 

غير أن نجيب، كما يروي في «كنتُ رئيسًا»، لم يكن مستعدًا للعب دور الواجهة الصامتة؛ فقد كان يؤمن بضرورة العودة السريعة إلى الحياة النيابية، وإلغاء الأحكام العرفية، وقيام نظامٍ دستوري يحدّ من سطوة العسكريين على السياسة. وهنا بدأ الصدام الحقيقي بينه وبين مجلس قيادة الثورة، وعلى رأسه جمال عبد الناصر.

 

أزمة مارس 1954: لحظة الكسر الحاسمة

 

بلغ الخلاف ذروته في أزمة مارس 1954، حين طالب محمد نجيب صراحةً بإعادة الجيش إلى ثكناته، وعودة الأحزاب، وانتخاب برلمانٍ مدني. في المقابل، رأى عبد الناصر ومعه غالبية مجلس القيادة أن هذه الخطوات تمثّل خطرًا على الثورة، وقد تعيد قوى ما قبل 1952 إلى المشهد.

 

يسجّل نجيب في مذكّراته أنه شعر، للمرة الأولى، بأن السلطة تُسحب من بين يديه بهدوء، وأن القرارات تُتّخذ باسمه دون علمه. ومع تصاعد التوتر، جرى تحجيم دوره تدريجيًا، حتى صدر القرار بعزله من جميع مناصبه في نوفمبر 1954، ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

 

فيلا زينب الوكيل: السجن بلا قضبان

 

نُقِل محمد نجيب إلى فيلا زينب الوكيل، زوجة مصطفى النحاس باشا، في منطقة المرج، لتكون مقرًّا لعزلته الطويلة. لم تكن الفيلا سجنًا بالمعنى التقليدي، لكنها كانت أكثر قسوةً من كثير من السجون؛ إذ حُرم فيها الرجل من التواصل مع العالم، ومنع من استقبال الزائرين، وخضع لمراقبةٍ دائمة.

 

يصف نجيب أيامه في الفيلا بمرارةٍ بالغة، قائلًا إن الزمن كان يمر بطيئًا، وإن العزلة كانت تقتل الروح قبل الجسد. لم يُسمَح له بقراءة الصحف بحرية، ولا بسماع أخبار الوطن الذي كان رئيسًا له يومًا ما. حتى أسرته لم تكن بعيدة عن قيود هذه العزلة الصارمة.

 

محو الاسم من الذاكرة الرسمية

 

الأكثر إيلامًا، كما يذكر في «كنتُ رئيسًا»، لم يكن فقدان السلطة، بل محاولة محو اسمه من التاريخ. فقد اختفى ذكر محمد نجيب من المناهج الدراسية، ومن الخطب الرسمية، ومن الاحتفالات الوطنية. وكأن الجمهورية الأولى بدأت دون رئيس، وكأن ثورة يوليو لم يكن لها وجهٌ سوى وجهٍ واحد.

 

لقد تحوّل محمد نجيب إلى «رئيسٍ بلا جمهورية»، وإلى شاهدٍ حيّ على أن الصراع على السلطة قد يكون أشدّ فتكًا من أعتى المعارك العسكرية.

 

سنوات العزلة الطويلة: ما بين الصبر والانكسار

 

استمرت إقامة محمد نجيب الجبرية قرابة ثمانية عشر عامًا، تنقّل خلالها بين العزلة المرضية، والإحباط النفسي، ومحاولات التمسك بالكرامة. ورغم ذلك، لم يدعُ يومًا إلى الانتقام، ولم يهاجم رفاقه السابقين بلغةٍ حاقدة، بل ظلّ حريصًا على تسجيل الوقائع كما رآها، تاركًا الحكم للتاريخ.

 

وفي هذا السياق، يأتي كتاب «كنتُ رئيسًا» ليس بوصفه مذكّرات شخصية فحسب، بل وثيقة اتهام أخلاقية لمرحلةٍ كاملة، وشهادةً على انحراف حلم الدولة الدستورية في مهده.

 

ثانيًا: محمد نجيب وجمال عبد الناصر – صراع الشخصيات والرؤى

 

لا يمكن فهم نهاية محمد نجيب دون التوقف أمام الفارق الجوهري بين شخصيته وشخصية جمال عبد الناصر. فالصراع بين الرجلين لم يكن صراع مناصب فقط، بل صراعًا بين رؤيتين مختلفتين للدولة والسلطة.

 

كان محمد نجيب، بطبيعته وتكوينه، رجل مؤسسات وقانون. يؤمن بالشرعية الدستورية، وبأن دور الجيش يجب أن يكون حماية الوطن لا حكمه. تبدو هذه القناعة واضحة في مذكّراته، حين يكرّر أن الثورة كانت وسيلةً لا غاية، وأن استمرار الحكم العسكري يُفقدها معناها.

 

في المقابل، كان جمال عبد الناصر رجل مرحلةٍ ثورية بامتياز، يؤمن بالحسم، وبالقرارات المركزية، وبأن الظروف الاستثنائية تبرّر تركيز السلطة. رأى عبد الناصر أن الديمقراطية في تلك اللحظة قد تعني الفوضى، وأن بناء الدولة القوية يقتضي قبضةً صارمة، ولو مؤقتًا.

 

انعكس هذا التباين في أسلوبي القيادة؛ فبينما كان نجيب ميّالًا إلى التوافق والاستماع والاحتكام للقانون، كان عبد الناصر أكثر ميلًا للمواجهة والحسم السريع. ومع مرور الوقت، بدا محمد نجيب – في نظر رفاقه – بطيئًا ومتردّدًا، في حين بدا عبد الناصر الأكثر قدرةً على السيطرة وتوجيه دفة الأحداث.

 

لم يكن نجيب رجل مؤامرات ولا شبكات نفوذ، وهو ما جعله ضعيفًا في معركة السلطة الخفية. أما عبد الناصر، فقد أتقن إدارة التحالفات داخل مجلس قيادة الثورة، واستطاع أن يقدّم نفسه بوصفه الضامن الوحيد لبقاء الثورة.

 

وهكذا، لم يُقصَ محمد نجيب لأنه أخطأ وطنيًا، بل لأنه لم يكن الرجل المناسب لمرحلةٍ اختارت القوة على التدرّج، والحسم على التوافق.

 

الخاتمة: عودة متأخرة للضوء

 

لم يُرفع الحظر عن محمد نجيب إلا في عهد الرئيس أنور السادات، حين خرج الرجل من عزلته شيخًا منهكًا، بعد أن تغيّر كل شيء من حوله. عاد اسمه إلى التداول، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن دُفِع ثمن الخلاف السياسي سنواتٍ من العمر والعزلة.

 

إن نهاية محمد نجيب وأيامه في فيلا زينب الوكيل تطرح سؤالًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم: هل كانت مصر، في لحظةٍ مفصلية من تاريخها، قادرة على أن تسلك طريق الدولة المدنية الدستورية؟ أم أن منطق القوة كان أقوى من منطق السياسة؟

 

يبقى محمد نجيب، رغم العزلة والتهميش، رمزًا لرئيسٍ خسر السلطة، لكنه احتفظ – في نظر كثيرين




تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -